صعوبة الوعي بالمشاعر والتعبير عنها في الألكسيثيميا وعلاقتها بالتبلد العاطفي

يتناول هذا المقال ظاهرة صعوبة فهم المشاعر، أو ما يُعرف بالألكسيثيميا، بوصفها حالة نفسية تتسم بضعف القدرة على التعرف على الانفعالات أو التعبير عنها، رغم وجودها. يوضح المقال أن هذه الحالة لا تعني غياب المشاعر، بل تعكس خللًا في إدراكها وتنظيمها، نتيجة تفاعل معقد بين العوامل النفسية والعصبية. كما يناقش تأثيرها على السلوك والعلاقات، ودورها كاستجابة للضغط النفسي، بالإضافة إلى استعراض الأسس العصبية المرتبطة بها، وطرح استراتيجيات عملية لتحسين الوعي الانفعالي وتعزيز التوازن النفسي.

محتوى المقال

يواجه العديد من الأفراد حالة نفسية تتسم بصعوبة التعرف على مشاعرهم الداخلية أو وصفها بدقة، رغم تعرضهم لمواقف انفعالية متعددة. قد يمر الشخص بتجارب تثير استجابات عاطفية واضحة، مثل الغضب أو الحزن أو القلق، لكنه يجد نفسه غير قادر على تحديد طبيعة هذه المشاعر أو التعبير عنها لفظيًا. في كثير من الأحيان، يعبّر الفرد عن هذه الحالة بعبارات مثل: "أنا مش عارف حاسس بإيه" "حاسس بحاجة بس مش فاهمها" قد تظهر هذه الحالة بشكل مؤقت في فترات الضغط أو التوتر الشديد، لكنها قد تستمر لفترات أطول لدى بعض الأفراد، مما يؤثر على فهمهم لذواتهم، وعلى جودة تفاعلهم مع الآخرين، وعلى قدرتهم على اتخاذ قرارات متزنة. غالبًا ما يُفسَّر هذا النمط على أنه برود عاطفي أو ضعف في الحس الانفعالي، إلا أن التحليل النفسي والعصبي يشير إلى أنه أكثر تعقيدًا، ويرتبط بآليات معالجة المشاعر داخل الدماغ، وبقدرة الفرد على الوعي الداخلي بحالته الانفعالية، وهو ما يُعرف بمفهوم الوعي الانفعالي. الألكسيثيميا (Alexithymia): عسر التعرف على المشاعر تُعرف هذه الحالة في علم النفس بمصطلح الألكسيثيميا، وهي تشير إلى صعوبة تحديد المشاعر أو التمييز بينها، بالإضافة إلى ضعف القدرة على التعبير عنها. من المهم التأكيد أن الألكسيثيميا لا تعني غياب المشاعر، بل تعكس خللًا في إدراكها وتنظيمها. فالمشاعر موجودة بالفعل، لكن الفرد لا يمتلك الأدوات المعرفية أو اللغوية الكافية لفهمها أو التعبير عنها.تشمل خصائص الألكسيثيميا: 1 صعوبة وصف المشاعر بالكلمات بدقة. 2 عدم القدرة على التمييز بين مشاعر متقارية (مثل القلق، التوتر، والحزن). 3 الخلط بين الأحاسيس الجسدية والانفعالات النفسية (مثل تفسير التوتر على أنه تعب جسدي فقط). 4 التفكير الذي يركز على الأحداث الخارجية بدلًا من الخبرة الداخلية. 5 ضعف الخيال المرتبط بالمشاعر أو صعوبة تصور الحالات الانفعالية. دور المشاعر في تنظيم السلوك وفهم التجربة تلعب المشاعر دورًا محوريًا في حياة الإنسان، فهي ليست مجرد استجابات انفعالية، بل تمثل نظامًا داخليًا يساعد على توجيه السلوك وفهم الواقع. تساعد المشاعر الفرد على: ← تقييم المواقف بسرعة وبدقة. ← تحديد ما هو مهم أو مهدد أو مُرضٍ. ← توجيه الانتباه نحو أولويات معينة. ← دعم عملية اتخاذ القرار. عندما يفقد الفرد القدرة على فهم مشاعره، يحدث خلل في هذه الوظائف، مما يؤدي إلى: • صعوبة تفسير المواقف الاجتماعية. • ضعف التعلم من الخبرات السابقة. • ارتباك في اتخاذ القرارات الشخصية. • الاعتماد الزائد على التحليل المنطقي دون مراعاة الجانب الانفعالي. التبلد العاطفي والانفصال عن الذات في بعض الحالات، قد ترتبط الألكسيثيميا بحالة من التبلد العاطفي، حيث يشعر الفرد بانخفاض حدة المشاعر أو غيابها الظاهري. قد يظهر ذلك في صورة: ← إحساس بالفراغ الداخلي أو الخدر العاطفي. ← ضعف التفاعل مع الأحداث المهمة أو المؤثرة. ← شعور بالانفصال عن الذات أو عن الواقع المحيط. من الناحية النفسية، يمكن فهم هذا النمط كآلية دفاعية، يلجأ إليها العقل لتقليل شدة الانفعالات المؤلمة أو المرهقة. فعندما تكون المشاعر قوية بشكل يصعب تحمله، قد يتم "تخفيضها" أو إضعاف الإحساس بها. الأساس العصبي للألكسيثيميا تشير الأبحاث في علم الأعصاب إلى أن الألكسيثيميا قد ترتبط بخلل في التكامل بين عدة مناطق في الدماغ، أهمها: الجهاز الحوفي: المسؤول عن معالجة المشاعر والاستجابات الانفعالية. القشرة أمام الجبهية: المسؤولة عن تفسير المشاعر وتنظيمها وربطها بالسلوك. مناطق الوعي الداخلي (Interoceptive Awareness): المسؤولة عن إدراك الإشارات الجسدية المرتبطة بالحالات الانفعالية. عندما يحدث ضعف في التواصل بين هذه المناطق، يصبح من الصعب تحويل الإحساس الداخلي إلى تجربة واعية يمكن فهمها أو التعبير عنها. الألكسيثيميا كاستجابة للضغط النفسي في بعض النماذج التفسيرية، تُفهم الألكسيثيميا على أنها استراتيجية غير واعية لتنظيم الانفعال. فعندما يتعرض الفرد لضغط نفسي شديد أو لمشاعر مؤلمة، قد يقوم العقل بتقليل الوعي بهذه المشاعر كوسيلة للحماية. هذه الاستراتيجية قد تكون مفيدة على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل تؤدي إلى: • تعطيل المعالجة النفسية للمواقف الصعبة. • تراكم مشاعر غير مفهومة أو غير معبّر عنها. • زيادة التوتر الداخلي دون سبب واضح. العلاقة بين الألكسيثيميا والاضطرابات النفسية لا تُعد الألكسيثيميا اضطرابًا مستقلًا في حد ذاتها، لكنها ترتبط بعدد من الاضطرابات النفسية، مثل: ← اضطرابات القلق. ← اضطراب كرب ما بعد الصدمة. ← بعض اضطرابات الشخصية. ← اضطرابات تعاطي المواد. ← اضطرابات اختلال الآنية أو تبدد الواقع. كيف تؤثر الألكسيثيميا على الحياة اليومية؟ تؤثر هذه الحالة بشكل مباشر على جوانب متعددة من الحياة، خاصة في العلاقات والتواصل. قد يعاني الفرد من: • صعوبة التعبير عن احتياجاته العاطفية. • ضعف القدرة على فهم مشاعر الآخرين (انخفاض التعاطف). • صعوبة بناء علاقات عاطفية عميقة ومستقرة. • سوء تفسير المواقف الاجتماعية. الفرق بين غياب المشاعر وصعوبة إدراكها من المهم التمييز بين حالتين مختلفتين: 1. غياب المشاعر: وهو نادر، ويشير إلى ضعف الاستجابة الانفعالية. 2. صعوبة إدراك المشاعر: وهو ما يحدث في الألكسيثيميا، حيث تكون المشاعر موجودة لكنها غير مفهومة أو غير معبر عنها. المشكلة لا تكمن في "عدم الشعور"، بل في "عدم الوعي بما نشعر به". استراتيجيات لتحسين الوعي بالمشاعر تشير الدراسات إلى أن القدرة على فهم المشاعر يمكن تطويرها تدريجيًا من خلال الممارسة: •ملاحظة الإشارات الجسدية المرتبطة بالمشاعر. • توسيع المفردات الانفعالية لتسهيل التعبير. • الكتابة اليومية لتتبع الأفكار والمشاعر. • التوقف خلال اليوم لمحاولة تسمية الشعور الحالي. • ممارسة التأمل أو تمارين الوعي الذاتي. • اللجوء إلى العلاج النفسي، خاصة العلاجات التي تركز على تنظيم الانفعال. متى يجب طلب المساعدة؟ يُنصح باللجوء إلى مختص نفسي في الحالات التالية: ← استمرار صعوبة فهم المشاعر لفترات طويلة. ← تأثير ذلك على العلاقات أو الأداء اليومي. ← الشعور المستمر بالفراغ أو التبلد العاطفي. ← وجود اضطرابات نفسية مصاحبة. الخاتمة صعوبة فهم المشاعر لا تعني غيابها، بل تعكس خللًا في إدراكها أو تنظيمها. الألكسيثيميا تمثل حالة معقدة تتداخل فيها العوامل العصبية والنفسية، وتؤثر على كيفية تفسير الإنسان لتجاربه والتفاعل معها. الوعي بهذه الحالة يمثل الخطوة الأولى نحو التغيير. ومع التدريب والممارسة والدعم المناسب، يمكن للفرد أن يطوّر قدرته على فهم مشاعره والتعبير عنها، مما يعزز توازنه النفسي، ويحسن جودة علاقاته، ويمنحه فهمًا أعمق لذاته.

الكاتب

Moamen salah - مشرف محتوى